محمد أبو زهرة

3

المعجزة الكبرى القرآن

الافتتاحية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( 3 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ( 5 ) [ الكهف : 1 - 5 ] . والصلاة والسلام على محمد الذي أرسل للعالمين بشيرا ونذيرا ، وأنزل عليه الكتاب المبين حجة باقية شامخة إلى يوم الدين . ورضى اللّه عن صحابته الأكرمين ، الذين بلّغوا من بعده شريعة القرآن ، ومعه العدل والقسطاس المستقيم . 1 - أما بعد : فقد اتجهت النفس متسامية إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أتعرف سيرته الطاهرة العطرة لأقتبس من نور هديه . وأتنسم نسيم عرفه ، ولأشاهد إرهاصات النبوة ، بل الإعجاز في حياته الأولى ، كما أيده اللّه تعالى بالمعجزات في حياته الثانية بعد أن بعث رحمة للعالمين . وقد تابعنا حياته عليه السلام الأولى ، ثم تسامينا إلى متابعة حياته الثانية بعد أن نادى في الجزيرة العربية بصوته القوى العميق يدعو إلى التوحيد في وسط الوثنية . وهو يصبر ويصابر . ويجاهد ويناضل ، ويلاقى الأذى ، والمؤمنون الصادقون الذين معه يعذبون ، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان لا ينطقون بالكفر ، ولو مزق الأذى أجسامهم . وطواغيت الشرك يتمتعون بالإيذاء ، بينما أهل الإيمان يرضون بالعذاب عن الكفران ، وقد أخذ النبي من بعد ذلك يعرض نفسه على القبائل ، تمهيدا لبناء دولة الإسلام الفاضلة ، في غير مكة ، وأخذ النور يسرى في ظلمات الجاهلية ، منبثقا من مكة ، وإن لم يستضئ أهلها بنوره لعمى البصائر . فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) [ سورة الحج : 46 ] . والمعجزة الخالدة التي يتحدى بها قريشا وسائر العرب هي « القرآن الكريم » . . رأينا من مساوقة الحوادث أن نتكلم في هذه المعجزة الكبرى . على أن يكون كلامنا فيها تبعيا وليس أصليا ، وبالعرض لا بالذات .